محبــي ليــبــيا
رحلة القرآن العظيم  13401710
محبــي ليــبــيا
رحلة القرآن العظيم  13401710
محبــي ليــبــيا
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.



 
الرئيسيةالرئيسية  أحدث الصورأحدث الصور  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

 

 رحلة القرآن العظيم

اذهب الى الأسفل 
3 مشترك
كاتب الموضوعرسالة
الثائر
محُــب نشيـــط
الثائر


الدولة : رحلة القرآن العظيم  1311_md_13105401401
الهواية : رحلة القرآن العظيم  Writing
الجنس : ذكر
المزاج : رحلة القرآن العظيم  Momtaza
عدد المساهمات : 477
معــدل التقييـــم : 4
تاريخ التسجيل : 28/06/2010
MY MMS : رحلة القرآن العظيم  Majd%20(5)

رحلة القرآن العظيم  Empty
مُساهمةموضوع: رحلة القرآن العظيم    رحلة القرآن العظيم  Emptyالأحد يوليو 11, 2010 8:30 pm

[ مكة المكرمة هذه المدينة المقدسة التي تحيط بها الكتل الجبلية السوداء الداكنة ذات التركيب الجرانيتي، تقع في غرب جزيرة العرب على السفوح الدنيا لجبال الثروات، وتنام في بطن وادٍ غير ذي زرع، تلفها الجبال من جميع جهاتها، ممثلة نقطة التقاء بين تهامة والثروات.
تنتصف طريق الشام واليمن بمنافذ قليلة من الجبال الجرداء، إذ يمتد شرقاً جبل أبي قبيس، يكتنفه جبل الخندمة، وغرباً جـبل هندي، يفصلهما وادي البطـحاء الذي يقع فيه البيت العتيق.
وترتفع عن سطح البحر مقدار ثلاثمائة متر، وكان لموقع مكة هذا أثر كبير على طريق التجارة القديم، فهي محط القوافل القادمة من الشام إلى اليمن، وما وليها من أرض الحبشة، ومحط الاستقرار في حضارات العالم القديم.
وتعتبر منطقة مكة المكرمة منطقة انتقالية بين تأثيرات البحر المتوسط والمناخ الموسمي، وتتأثر بقربها من ساحل البحر الأحمر وجبال الثروات الغربية، وتتأثر في الصيف بالجبهات المدارية، فيبلغ معدل الحرارة السنوي حوالي إحدى وثلاثين درجة، وتختلف درجة الحرارة بين فصل وآخر، فتصل في الصيف إلى ثمانٍ وأربعين درجة، بينما تنخفض في الشتاء إلى ثماني عشرة درجة.
وأمطار مكة نموذج للأمطار الصحراوية، بحيث تختلف اختلافاً كبيراً بين سنة وأخرى، وتتراوح بين ثمانين ملليمتراً ومائة وخمسة وعشرين ملليمتراً، تسقط في فصل الشتاء، وهو الفصل الممطر الرئيس في شهر كانون الثاني يناير الذي يعتبر أكثر الشهور مطراً.
مكة المكرمة هذه هي الذي اختارها الله تعالى بين الجبال السود الداكنة لتشهد الأحداث العظام، ففي جبل ثور استظل الغار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه أبا بكر -رضي الله عنه- وعلى بطاح وديانها وادي منى كان الصراع بين الخليل إبراهيم -عليه السلام- وإبليس اللعين.
وبين جبالها تمت بيعتا العقبة، ويهل إليها الحجيج من كل فج عميق، في الخيف والمزدلفة وعرفات حيث وقف محمد -صلى الله عليه وسلم- أسفل جبل الرحمة يبين للناس أمور دينهم ودنياهم في أبلغ موقف.
إنها مكة موطن دعوة التوحيد الأولى، التي دعا إليها سيدنا إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- فيها يحط جبل النور وغار حراء مطلاً على البيت العتيق، يذكر بمهبط الوحي على النبي العربي محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي شمل العالم بنوره.
في قمة جبل النور، جبل حراء الغار الذي نزلت به أولى آيات القرآن الكريم:
? اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الأنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الأنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ?[سورة العلق، الآية 1: 5].
وكان محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- لا يعرف الكتابة والقراءة، قال تعال في سورة العنكبوت:
? وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ? [سورة العنكبوت، الآية 48].
فلا بد والحالة هذه من أن يتقلى القرآن تقليناً، ويحفظه من ملك الوحي مشافهة:
? لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ? [القيامة: 16، 17].
لقد نزل القرآن الكريم على مراحل ليكون أقرب للحفظ، وأسهل على الضبط، وأبعد عن النسيان، وكانت الآيات القرآنية تتنزل عليه تتابع تارة وتبطئ أخرى، قال تعالى:
? وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ?. [سورة الفرقان، الآية 32].
لقد استمر نزول القرآن الكريم ثلاثا وعشرين سنة من بعثته حتى وفاته -صلى الله عليه وسلم- وقد حرص منذ اللحظة الأولى على حفظه واستظهاره وعلى تدوينه وكتابته فور نزوله، وبما أنه لا يكتب ولا يقرأ -صلى الله عليه وسلم- فقد تم التدوين هذا تحت إشرافه ورقابته.
وهكذا أصبح للقرآن صورتان: صورة صوتية وأخرى كتابية، وتظهر الصورة الصوتية من خلال المشافهة التي تلقاها من الوحي وأسمعها صاحبته، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- مع كمال فصاحته ومع كونه المصطفى للرسالة تعلم القرآن عن جبريل، وخاصة في السنة التي انتقل فيها إلى الرفيق الأعلى، كان جبريل يعارضه أي يدارسه بالقرآن في كل سنة مرة، ثم عارضه عام وفاته مرتين، والعرض على جبريل معناه تجويد اللفظ وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها ليكون سنة في الأمة.
لقد حفظ أصحاب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- القرآن وتلقوه شفاهاً منه، فهذا ابن مسعود أحد كبار الصحابة وأعلام رواة القرآن وتجويده وتحقيقه وترتيله يقول:
" حفظت من فِيِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضعة وسبعين سورة".
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبعث إلى من كان بعيد الدار من الصحابة من يعلمهم ويقرئهم ويلقنهم القرآن العظيم.
فبعث مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته يعلمانهم ويقرآنهم القرآن، ولما فتح النبي مكة خلف على أهلها معاذ بن جبل، وكان عبادة بن الصامت يعلم أهل الصفة القرآن، ولما فُتح الشام أرسله عمر بن الخطاب ومعاذا وأبا الدرداء ليعلموا الناس القرآن هناك.



وواضع أن من أحكام القراءة ما لا يمكن إحكامه أبداً إلا بالتلقي الشفهي، فالتفخيم والترقيق والمد والقصر والإدغام و الإظهار والإخفاء والروم والإشمام والإبدال والنقل والإقلاب والحذف والإبات والإحاق والإالة والفتح، وما بيهما وتخفيف الهمزة وما إلى ذلك، وكذلك إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها،ورد كل منها إلى مخرجه وأصله والنطق به على كمال هيئته من غير إسراف ولا تسعف ولا إفراط ولا تكلف لا يحققه إلا الملقن الضابط.
لقد كانت القبائل العربية متعددة اللجات، تتباين في النطق والتعبير كما هي الحال اليوم في أقطارنا العربية، فأقرأهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بلهجاتهم، فكانت اللهجات التي ظهر فيها بعض الخلاف، مما جعل الرجل يسارع إليه حين يختلف مع أخيه في القراءة يستوضح منه الصواب فيجيب: كلاهما على صواب.
لقد كان بين القبائل العربية اختلاف في نبرات الأصوات وطريقة الأداء، فكان فيهم من يضغم ومن يظهر، ومن يخفي ومن يبين، ومن يميل ومن يفتح، ومن يفخم ومن يرقق، ومن يمد ومن يقصر إلى آخر كيفيات النطق المختلفة.
وأمام هذه الفروق التي يصعب على الناس التخلص منها والدين الذي نزل به القرآن يسر دائماً أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يُقْرِئ القرآن بأحرف مختلفة، حيث إن القرآن العظيم قد نزل على سبعة أحرف، تلك هي الصورة الصوتية للقرآن العظيم، حفظها أصحابه عن ظهر قلب، فكيف كانت الصورة المدونة المكتوبة لهذا الكتاب السماوي في الزمن الذي نتحدث عنه، زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-؟
لم يكن تدوين الكتاب أمراً شائعاً في ذلك الزمن، وكانت الكتابة في حواضر الحجاز زمن البعثة قليلة الانتشار، وكانت وسائلها بدائية وغير ميسورة، إلا أن حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على حفظ كلمات الله -عز وجل- قد دفعه على العمل على تدوينها فور نزول، فاتخذ كتاباً يكتبونها أول بأول، يلازمونه في كل مكان يحل فيه ليؤدوا هذا العمل الذي تفرغوا له.
رسمت الحروف الأولى للقرآن الكريم بيد كتاب من قريش في مكة، وكتاب من الأنصار في المدينة، حتى بلغ عددهم ثلاثة وأربعين كاتباً، وقد تشرف بالكتابة الخلفاء الأربعة، وعامر بن فهيرة، وعبدالله بن الأرقم، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس بن شماس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن ربيع الأسيدي، وشرحبيل بن حسنة وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين- وكان ألزمهم بذلك وأخصهم به معاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت الأنصاري.
وأورد الجهشياري في كتاب الوزراء والكتاب، وابن عبد ربه في العقد، والمسعودي في التنبيه والإشراف أسماء الذين كتبوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعلوهم مراتب، وقدروهم منازل، فكتاب يكتبون بين يديه -صلى الله عليه وسلم- فيما يعرض من أموره وحوائجه، وآخرون يكتبون بين الناس المداينات وسائر العقود والمعاملات، وآخرون يكتبون أموال الصدقات، وكاتب يكتب خرص الحجاز، أي: ما على النخل من الرطب، وآخر يكتب مغانم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وثالث يكتب إلى الملوك ويجيب على رسائلهم، ويترجم بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، وكتاب آخرون يكتبون الوحي.
ثم يعقب المسعودي بقوله: " وإنما ذكرنا من أسماء كتابه -صلى الله عليه وسلم- من ثبت على كتابته، واتصلت أيامه فيها وطالت مدته، وصحت الرواية على ذلك من أمره دون من كتب الكتاب والكتابين والثلاثة، إذ كان لا يستحق بذلك أن يسمى كاتبا ويضاف إلى جملة كتابه.
خُطت حروف القرآن الأولى ورسمت بالحبر على العظام والحجارة، وسعف النخل وجلود الحيوانات الرقوق، وعلى الورق والبردي، وعلى مواد مختلفة، فكيف كانت صورة الحرف والرسم هذه؟
لقد حمل العرب القرشيون أثناء رحلة الشتاء والصيف صورة الحرف من ديار الشام، وكان للأنباط دور كبير في تعليم القرشيين رسوم حرفهم ونهج إملائهم، وقد ظهر ذلك واضحاً جلياً في رسمهم للمصحف وإملائه.
والأنباط هم العرب الشماليون الذين امتدت دولتهم في القرن الرابع قبل الميلاد وما قبله من شمال الجزيرة العربية إلى جنوب الشام، وضمت فلسطين وشرق الأردن ودمشق، وسيطروا على البلاد الآرامية.
وكانت لهم حاضرتان هما سلع أو البتراء، أو الأصح ما كانت تسمى به البتراء قديماً وهي الرقيم، على ما تشهد به الوثائق الأثرية، وما إطلاق البتراء إلا اصطلاح أغريقي، والبتراء وسلع والرقيم تعني الصخرة.
والحاضرة الثانية هي الحجر أو مدائن صالح في الجنوب، وكانت هذه المنطقة حينئذ عامرة بالأشجار والمياه، لقد هيمن الأنباط منذ القرن الرابع قبل الميلاد على طرق التجارة بين جنوب الجزيرة العربية حتى البحر الأحمر، وبين الشام ومصر، وازدهرت مملكتهم بسبب توسطهم الطريق التجاري، إذ كانت البضائع تنتقل من الهند وإفريقيا الشمالية إلى اليمن، ومن اليمن إلى البحر الأبيض المتوسط عن طريق صنعاء، مكة، يثرب، العلا، الحجر، مدائن صالح، فالرقيم البتراء، ومنها كانت توزع إلى مصر و اليونان وإيطاليا والشام، وكانت البضائح خاضعة للرسوم المالية.
لقد ظلت الطريق التجارية بين مكة ويثرب والشام تسلكها القوافل حتى بعد ظهور الإسلام، وقوافل الحجيج أيضاً، وكان عرب الشمال يقيمون في مدائن صالح والبتراء الرقيم في غدوهم ورواحهم، فاقتبسوا منهم أساليب الحياة وطرق الكتابة.


وقد أدى ازدهار مملكة الأنباط وتدفق المال عليها إلى اتباعها في القرن الثاني قبل الميلاد سياسة الغزو، فسيطرت على جميع طرق القوافل التجارية واحتلت دمشق زمن ملكها حارثة الثالث.
لقد تأثر الأنباط بالحضارة الآرامية، وما لبثوا أن تمثلوا هذه الحضارة وابتدعوا حضارة جديدة، ومازالت المباني الضخمة في البتراء ومدائن صالح شاهدة على علو كعبهم في ميدان الفن والعمارة، كما أخبر عنهم القرآن الكريم في قوله تعالى:
? وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ? [سورة الشعراء، الآية 149].
استخدم الأنباط بادئ ذي بدء الآرامية والقلم الآرامي في كتابتهم، وظلت الكتابة الأنباطية مستعملة بعد زوال مملكتهم لعدة قرون، فقد طوروا الخط الآرامي حتى ابتعد عن أصله عبر أدوار ثلاثة استغرقت بضعة قرون، إلا أن فنيت في الدور الأخير لتظهر في كتابة أخرى هي الكتابة العربية.
لقد الحل الأنباط محل الإيدوميين في القرن السادس قبل الميلاد، ومنهم أخذوا اللغة والكتابة الآرامية لاستخدامها في نصوصهم التذكارية وفي تجارتهم الدولية.
إن الكتابة النبطية هي أقدم الكتابات العربية الشمالية، وقد يرجع تاريخها إلى القرن الخامس قبل الميلاد، والكتابة النبطية هي كتابة آرامية سُجلت بلغة عربية، كما يدل على ذلك نص اكتشف في النقب عام تسعة وسبعين وتسعمائة وألف، وقدر زمنه في أواخر القرن الميلادي الأول، ويعرف هذا النص بنقش عبادة.
كما كتب بالحرف النبطي وباللغة العربية أيضاً النقش الشهير من عام ثمانية وعشرين وثلاثمائة ميلادية والمعروف باسم نقش امرئ القيس ملك العرب، المكتشف في موقع النمارة شرق جبل العرب جنوب سوريا، وهو محفوظ في متحف اللوفر بباريس.
وكذلك نقوش أخرى نرى فيها تحوير الخط الآرامي ليصبح مع الزمن أكثر ربطاً للحروف بعد أن انغلقت فيه بعض الحروف.
وأما نقش أم الجمال الذي اكتشف على بعد خمسة وعشرين كيلو متراً جنوب بصرى الشام، ويعود تاريخ للعام خمسين ومائتين ميلادية، وهو لقبر فهر بن سلم مربي جذيمة ملك تنوخ المعاصر لزينب ملكة تدمر، وقد كتب بالخط النبطي، نلاحظ فيه اندماج الحرف واتصاله، بحيث أصبح قريباً للحرف العربي واتصاله، ولو دققنا النظر في كتابته لوجدناه قريباً كل القرب لخطنا الحالي، ولنعمد إلى دراسة هذا النقش دراسة بليوغرافية فماذا نجد؟
في السطر الأول نقرأ " دنه نفشو فهرو " أي هذه نفس أو هذا قبر، ونلاحظ أن حرف الدال في دنه هو الغريبن ولو قلبناه لاستقامت الكلمة وأصبح الحرف عربياً.
وفي الكلمة الثانية " نفشو " والتي تتألف من مقطعين لو جمعنا المقطع الأول مع المقطع الثاني بتصرف بعد أن ننزل حرف الواو لقرأنا الكلمة بسهولة.
وكذلك كلمة " فهرو " وكلمة " بر " لننزل حرف الراء فإذا هي مستقيمة قوية.
وفي كلمة " سُليم " نلاحظ الوضوح، وكذلك في كلمة " مربي " " بر " و " جذيمة " و" ملك تنوخ " ونستطيع أن نقرأ النص بسهولة ونفهمه " دنه نفشو فهرو برشلي رب جزيمة ملك تنوخ " أي: هذا قبر فهر بن سليم مربي سليمة ملكة نوخ.
لقد تولدت الكتابة ونمت في شمال الجزيرة العربية في بلاد الأنباط، ثم انتقلت واتجهت مع قوافل التجارة إلى الجزيرة العربية إلى مكة والحجاز بعد أن اكتملت خصائصها، واستقرت قواعدها وصادفت استخداماً واسعاً، وحين استخدمها الصحابة -رضوان الله عليهم- استخدموها بمعرفة تامة في تدوين متطلبات الدولة الجديدة وتدوين القرآن، خلافاً لما يقوله ابن خلدون في مقدمته وابن قتيبة من أن الصحابة كانوا أميين لا يكتب منهم الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب بالتهجي، ووصمهم بالجهل في الكتابة.
إن كثرة الكتاب والتخصص في الكتابة ينافي وصم ما حدثنا عنه بعض المؤرخين، كما أن كثرة الكتب والرسائل التي أرسلها الرسول -صلى الله عليه وسلم- تبين أن الكتابة والقراءة كانت منتشرة في الجزيرة العربية وبين القبائل، وإلا فما جدوى كتابة كتب لأمة لا تقرأ.


وأما الخطأ في الهجاء الذي تحدث عنه ابن قتيبة وابن خلدون فإنه وهم ومردود بما سيتضح لنا من حذق الصحابة في تدوين الظواهر اللغوية التي سجلوها حين كتبوا القرآن العظيم، وهذا يظهر من خلال الرسم العثماني الذي كتب به المصحف الشريف.
إن التأمل في إملاء الأنباط يوضح عن مظاهر لا نعرفها اليوم في كتابتنا العربية، ففيها حروف يعبر رسم الحرف الواحد منها عن عدة أصوات، وفيها كلمات لا يتفق فيها المنطوق مع المكتوب.
ولقد حققت هذه الصورة وهذا الرسم تلك اللهجات والقراءات التي أقرهم عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفقاً لما تستطيعه ألسنتهم، ولحكمة أردها الله -سبحانه وتعالى- مثل الكلمات: " الحياة، الصلاة، الزكاة، النجاة، مشكاة، أشياعكم، جنات، العالمين " شاء الله أن يظل الوحي متجاوباً مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- من البعثة حتى الوفاة مدة ثلاث وعشرين سنة يتنزل عليه القرآن خلالها منجماً يعلمه كل يوم جديداً ويرشده ويهديه، ويثبته ويزيده اطمئناناً.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:
بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين.
ونزول القرآن منجماً يعني نجوماً، أي خمس آيات خمس آيات لتيسير حفظ على المؤمنين في كل جيل.
لقد اكتمل نزول القرآن الكريم، وتولى النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه ترتيب الآيات وتحديد مكانها في كل صورة طبقاً لما أخبر به الوحي.
لقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يملي القرآن على كتاب الوحي ويرشدهم إلى ترتيب الآيات والسور القرآنية، وقد ترك ترتيب السور في بادئ الأمر للصاحبة أنفسهم، ويقال: إن مصحف علي -رضي الله عنه- كان مرتباً حسب التنزيل، إذ ابتدأ بسورة اقرأ، فالمدثر، بالمزمل... وهكذا.
وكانت نسخة الصحابي ابن مسعود تبدأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، ونسخة الصحابي أبي بن كعب تبدأ بالفاتحة، فالبقرة، فالنساء، فآل عمران... وهكذا، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما اكتمل نزول القرآن رتب سوره على النحو الذي بين أيدينا اليوم، وانتقل إلى الرفيق الأعلى بعد أن انتظم القرآن في مائة وأربع عشرة سورة، سميت كل صورة بما ابتدأت بها، أو بكلمة وردت فيها، أو بموضوع بارز، أو بقصة تدور حولها.
وعرفت بعض السور بأكثر من اسم، كسورة الفاتحة التي عرفت باسم " أم الكتاب، والسبع المثاني " و "الحمد "، وسورة التوبة بـ " براءة " وسورة الأسراء بـ " بني اسرائيل " وسورة فاطر بـ " الملائكة " وسورة المؤمن بـ " غافر " وسورة محمد -صلى الله عليه وسلم- بـ " القتال " وسورة النبأ بـ " عم ".
إن ترتيب السور على ما نراه اليوم، كترتيب الآيات هو توقيفي من الله -عز وجل- بالرغم من أنه لم يجمع بين دفتي مصحف واحد زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فالقراء ومستظهرو القرآن كانوا كثيرين، وكان -عليه السلام- يترقب توالي نزول الوحي عليه، فالقرآن كله كتب في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غير مجموع في مصحف واحد، وقد أغنى عنه حفظ الصحابة له في صدورهم.
قال الزركشي: " وإنما لم يكتب في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مصحف لئلا يفضي إلى تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته -صلى الله عليه وسلم- ".
وكان كل ما يكتب يوضع بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وينسخ الكتاب لأنفسهم نسخة منه، فتعاونت نسخ هؤلاء الكتاب والصحف التي في بيت النبي مع حافظة الصحابة الأميين وغير الأميين على حفظ القرآن وصيانته، مصداقاً لقوله تعالى:
? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ? [سورة الحجر، الآية 9].
القرآن العظيم زمن أبو بكر وعمر رضي الله عنهما:
ألقت الخلافة قيادها إلى أبي بكر -رضي الله عنه- بعد غروب شمس النبوة، وواجته في خلافته مصاعب جمة، كانت أولاها في السنة الثانية عشرة للهجرة حين استشهد سبعون حافظاً أثناء موقعة اليمامة في حروب الردة، فهال الأمر سيدنا عمر بن الخطاب، وجاء يقترح على أبي بكر الخليفة جمع القرآن المكتوب متفرقاً في العظام والحجارة وسعف النخل والرقاع ومن أوراق وجدت في بيت النبي صلى الله عليه وسلم.


وشرح الله صدر أبي بكر فأخذ بمشورة عمر، وأسند المهمة لكاتب الوحي زيد بن ثابت، الذي شهر العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياته -صلى الله عليه وسلم- وزيد معروف بشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه.
يقول: زيد أرسل إليَّ أبا بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: " إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن " قت لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! فقال عمر: " والله إن هذا خير " فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، وقد رأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: وقال أبوبكر: إنك رجل شاب لا أتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتتبع القرآن فاجمعه، قال زيد: " فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن " قلت: " كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله -صلى عليه وسلم-؟ ".. فقال: " هو والله خير ".. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العشب واللخاف وصدور الرجال.
نسخ زيد القرآن العظيم في صحائف من الرق ذات طول واحد وعرض واحد، مرتبة بين دفتين، وربطها بخيط وأودعها بيت الخليفة أبي بكر، فلما توفاه الله انتقلت الصحائف إلى الخليفة عمر، ثم إلى ابنته السيدة حفصة أم المؤمنين -رضي الله عنهم أجمعين- قال علي رضي الله عنه: " رحمة الله على أبي بكر، كان أعظم الناس أجراً في جمع المصاحف، وهو أول من جمع بين اللوحين ".. وهكذا تغيرت الصورة التي كان عليها القرآن الكريم إلى صورة جديدة ذات مظهر حسن جميل.
لقد كتب زيد القرآن العظيم بنفس الخط والإملاء الذي كتب عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويجب أن نعلم أن العرب في هذه الفترة الزمنية كانوا يكتبون بنوعين من الخط، خط لين يميل إلى السهولة والاستدارة يسطرون به الرسائل والأمور اليومية، مثل رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين وعامل كسرى عليها، وفيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم:
من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك، فأني أحمد الله إليك الذي لا إله غيره، وأشهد ألا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، أما بعد:
أذكرك الله -عز وجل- فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، ومن يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فأقبل منهم، وأنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية".
وأما النوع الثاني من الخط والذي كان سائداً فهو يابس جاف، يميل إلى التربيع والزوايا، يطلق عليه اسم: الخط المزوي، وتسطر به الشئون الجليلة العظيمة، وهو ما كتبت به الصحائف، وأطلق على نوع الخط هذا اسم الخط المكي فالمدني فالكوفي.
وهو أقرب ما يكون إلى صورة المصاحف الكوفية التي تختزنها متاحف العالم اليوم، كهذه الوثيقة التي يحتفظ بها المتحف البريطاني، وهي صفحة من القرآن الكريم من سورة " يس " من الآية الرابعة وحتى الآية الحادية والعشرين.
وهكذا تستمر الكتابات والآيات بالخط المكي المائل إلى قوله تعالى:
? اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ ? [سورة يس، الآية 21].
لأول مرة ظهرت كلمة: مصحف بعد أن جمع القرآن بين دفتين في عهد الخليفة أبي بكر --رضي الله عنه- وكان سالم بن معقل المتوفي سنة اثنتي عشرة للهجرة أول من أطلق على كتاب الله -عز وجل- هذه اللفظة والتسمية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الثائر
محُــب نشيـــط
الثائر


الدولة : رحلة القرآن العظيم  1311_md_13105401401
الهواية : رحلة القرآن العظيم  Writing
الجنس : ذكر
المزاج : رحلة القرآن العظيم  Momtaza
عدد المساهمات : 477
معــدل التقييـــم : 4
تاريخ التسجيل : 28/06/2010
MY MMS : رحلة القرآن العظيم  Majd%20(5)

رحلة القرآن العظيم  Empty
مُساهمةموضوع: رد: رحلة القرآن العظيم    رحلة القرآن العظيم  Emptyالأحد يوليو 11, 2010 8:31 pm

امتدت الفتوحات في عصر سيدنا "عمر"، وسيدنا "عثمان" -رضي الله عنهما- وكثر الداخلون في الإسلام دين الله الحنيف: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [ سورة النصر]، وازدادت حاجة الداخلين إلى معرفة تعاليم الدين الجديد؛ فظهرت المصاحف في الأمصار من إملاء كبار الصحابة الذين كانوا يُعلمون القرآن بلهجاتهم قراءاتهم السبع، التي أجاز لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- القراءة بها تيسيرًا عليهم.
فكان أن ظهر الخلاف بين المتعلمين الذين يتلقون القراءة، وصار كل واحد يتطاول على أخيه بقراءته، ويخال أن قراءته هي الأصح، كما وقع الخلاف في جيش الفتح على أرض أرمينية، وتشاجر الجند فيما بينهم؛ بسبب اختلاف اللهجات في قراءة القرآن، مما دفع "حذيفة بن اليمان" أن يشكو أمرهم للخليفة "عثمان" بقوله: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب.
وتدارك عثمان الأمر، فجمع أعلام الصحابة وتدارس معهم أمر هذه الفتنة وأسبابها وعلاجها، واجتمع الرأي على ضرورة عمل نسخ من القرآن الكريم ترسل للأمصار، وتكون أصلاً لقراءة كتاب الله وكتابته، يرجع إليها كلما دعت الحاجة.
وأرسل سيدنا عثمان -رضي الله عنه- إلى أم المؤمنين "حفصة": أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها.
فشكل لجنة رباعية قوامها: "زيد بن ثابت"، و"عبد الله بن الزبير"، و"سعيد بن العاص"، و"عبد الرحمن بن الحارث بن هشام"، وقد حددت مهمة اللجنة في أن تعمل على إخراج نص مكتوب للقرآن العظيم من الأصل المحفوظ عند أم المؤمنين "حفصة"، وأوصى الرهط القرشيين الثلاثة قائلاً: إذا اختلفتم أنتم و"زيد بن ثابت" في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم.
وكانت مهمة اللجنة صعبة في التوفيق بين لهجات العرب، ولكن لهجة قريش كانت ملاذهم الأخير.
شرعت اللجنة الرباعية في تنفيذ قرار الخليفة "عثمان" سنة خمس وعشرين للهجرة، واستغرق العمل سنة بكاملها، نسخت فيه اللجنة أربع نسخ على الرق، أرسلها الخليفة إلى "الكوفة" و"البصرة" و"الشام"، واحتفظ بنسخة له، وأمر بحرق كل صحيفة أو مصحف سواه.
وأرسل مع كل مصحف قارئًا؛ ليضع بذلك حدًّا لأي خلاف واختلاف يقع في الرسم أو في القراءة، فقد أرسل القارئ "المغيرة بن هشام" للشام، و"أبا عبد الرحمن السلمي" للكوفة، و"عامر بن عبد القيس" للبصرة.
قال سيدنا علي -رضي الله عنه-: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، ولو وليت ما ولي لعملت في المصاحف ما عمل.
أعاد سيدنا "عثمان بن عفان" الصحف التي اطلعت عليها اللجنة لأم المؤمنين "حفصة ابنة عمر" -رضي الله عنها- فاحتفظت بها ولم تفرط فيها، فلما توفيت أخذها "مروان بن الحكم" من أخيها "عبد الله بن عمر"، فغسلها ثم أتلفها وأحرقها.
كتبت المصاحف الأولى بخط مكي مدني واضح بيّن محكم رصين، ليس فيها تشكيل ولا تنقيط، خالية من أسماء السور والفواصل، وبينها وبين الآيات مساحة قليلة فارغة ليس فيها ما يشير إليها، وبمداد حبر أسود على رق، وبمقاس كبير شبه مربع، وبإملاء ورسم عرفا فيما بعد بـ"الرسم العثماني"، نسبة للخليفة عثمان -رضي الله عنه- مع أن عثمان لا علاقة له بهذا الرسم وهذا الإملاء، فلم يضع قواعده ولم يمل هجاءه، وإنما أمر بكتابته بذات الصورة التي كتب بها أيام النبي -صلى الله عليه وسلم-، والتي أوضحنا من قبل بأنها مستمدة من رسوم الأنباط الذين أثروا في إملاء العربية؛ لحكمة أرادها الله.
لقد كتب الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- القرآن العظيم برسم إملائي يجد فيه الدارس اليوم بعض الغرابة؛ لأنه يطلق حكمه من منطلق تطور الرسم الذي نكتب به اليوم، بعد أن تطورت الكتابة وأخذت رسومها حذفًا ووصلاً لكلمات كثيرة، وإن كثيرًا من الكلمات يتغير رسمها عن منطوقها أثناء درج الكلام وحين الوقوف، ولابد للمتأمل في الرسم أن يعلم أن قواعد الهجاء التي نكتب بها اليوم قد جاءت في مرحلة لاحقة بعد التطور الذي حل برسوم العربية من نقط وشكل وضبط.
ورسم المصحف بشكله القديم يفيد في توجيه القراءات التي نزل بها القرآن ولهجات العربية المختلفة.
فإضافة الألف مثلاً في ثمود في قوله: (وَعَادًا وَثَمُودًا) [الفرقان: 38] تفيد قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع؛ لأنهم قرءوها بالتنوين (ثَمُودًا)، وزيادة الألف في (ملاقوا) (نصروا) (يعفوا)، كزيادة الألف في "مائة" أو الواو في "أولئك"؛ كي لا تقرأ منه أو "إليك"، لأن الكتابة كما نعلم لم تكن مشكولة ولا منقوطة من قبل.
وقد تحدثنا عن التأثيرات النبطية في الإملاء، كحذف الألف الطويلة كما في (العالمين)، وكتابة التاء المبسوطة في النبطية تكتب الأسماء المؤنثة بالتاء في معظم الحالات، كأن نكتب خالة "خلت"، ووائلة "ويلت"، وغزالة "غزلت"، وسنة "سنت".
رحلة القرآن العظيم  Totop
إن سر الرسم القرآني العثماني يحتاج إلى دراسة مفصلة واعية بعيدة عن الهوى، وتتعلق بدراسة تطور الكتابة مما قبل عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لنحكم في النهاية على أن هذا الشكل من الرسم كان متطورًا في زمنه، ويوافق في كثير من الأحيان المنطوق المرسوم.
إن كتابة (الزكاة، الحياة، النداة، مشكاة، النجاة، الربا) من تأثيرات الكتابة النبطية، وتحمل أسرار الأصوات في طريقة النطق للهجة من اللهجات العربية التي نزل بها القرآن الكريم.
يقول "ابن الجوزي": إن كتابة الصحابة للمصحف مما يدل على عظيم فضلهم في علم الهجاء خاصة، وثقوب فهمهم في تحقيق كل علم.
واستدل "السيوطي" على قدم علم النحو: بما منه كتابة المصحف على الوجه الذي يعلله النحاة في ذوات "الواو، والياء، والهمزة، والمد والقصر"؛ فكتبوا ذوات "الياء" بالياء، وذوات "الواو" بالألف.
إن قواعد الإملاء العادي لم يتفق عليها واضعوها وهي عرضة للتغيير والتبديل، ومتطورة على مدى الزمن، فواجب الحذر والتحرز يقتضي من المسلمين أن ينزهوا القرآن في رسمه عن قواعد مختلف فيها ومطلوب تغييرها، وربما يؤدي الترخص في الرسم إلى التحريف.
وسبق أن حاولت "إسرائيل" وعمدت إلى تحريف كتاب الله؛ فطبعت مائة ألف نسخة سنة إحدى وستين وتسعمائة وألف ووزعتها في البلاد الإفريقية والآسيوية، وبدلت عبارات وحذفت أخرى، وأسقطت آيات.
ووجه شيخ الأزهر حينها برقية يقول فيها: إن "إسرائيل" التي قامت على البغي والطغيان، والاعتداء على المقدرات والمقدسات، ما زالت تعيش في هذا العبث، وتحيى في إطار هذا الطغيان، وإنها بتحريفها القرآن الكريم، تريد القضاء على معتقداتنا وديننا، وهي بذلك تمارس ما كان عليه آباؤهم من تحريف الكلم عن مواضعه.
وانعقد مؤتمر إسلامي استعرض جريمة التحريف، وكان الرد بتسجيلات المصحف المرتل، وتوزيع اسطوانات في الدول التي وزعت فيها "إسرائيل" المصاحف المحرفة، وباءت "إسرائيل" بالفشل والخزي، والله حافظ لقرآنه ومتمم نوره ولو كره الصهاينة.
يوجد في العالم اليوم أربعة مصاحف تنسب لسيدنا عثمان ولزمنه.
واحد في "طشقند"، ويعرف بالمصحف "السمرقندي"، حيث كان في جامع "خوجا عبيد الله الأحرار"، ثم اشتراه حاكم "تركستان" ونقله إلى "بطرس بيرج" فوضع في دار الكتب القيصرية، وكان الناس يزورونه، ثم نشرته جمعية الآثار القديمة على يد الخطاط المصور الروسي "باركس"، وطبعت منه خمسين نسخة.
ولما كان الانقلاب "البلشفي" أواخر سنة سبع عشرة وتسعمائة وألف ميلادية حمل المصحف في حفل عظيم وتحت حراسة مشددة من الجند إلى النظارة الدينية، وبقي فيها خمس سنوات.
وفي سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة وألف ميلادية نقل إلى "تركستان"، وبقي في "سمرقند" فترة طويلة، وهو الآن في "طشقند" في مكتبة الإدارة الدينية.
والمصحف السمرقندي هذا مكتوب على الرق بمساحة قدرها ثمان وستون بثلاث وخمسين سنتيمترًا، وعدد ورقاته ثلاثمائة وثلاث وخمسون ورقة، وهو خال من النقط والشكل والتزيين ومكتوب بخط كوفي محقق رصين، وكل صفحة من صفحاته تحتوي على اثني عشر سطرًا.
قال تعالى: (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا) [الأعراف: 87- 89].
ويتساءل بعض المؤرخين عن الطريق الذي وصل منه هذا المصحف الإمام إلى "سمرقند" ويفترضون حلولاً، فمنهم من قال: إنه كان هدية من السلطان المملوكي الملك الظاهر "ركن الدين بيبرس" لـ"بركة خان" -"خان" القبيلة الذهبية-؛ لأن "بيبرس" تزوج ابنته.
ومنهم من قال: بل هو المصحف الذي رآه "ابن بطوطة" ووصفه أثناء زيارته للبصرة، وانتقل منها على يد "تيمورلنك" إلى "سمرقند".
وصورة الخط في هذا المصحف هي أقرب ما تكون إلى صورة الكتابة التي كتب بها المصحف الإمام.
ومن النقاد من يقول: إن هذا المصحف لا يرقى إلى زمن الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وإن الصنعة ظاهرة عليه، ويشبه مصحف "القيروان"، ويعود للقرن الثاني أو الثالث الهجري؛ إذ الخطوط فيه مستقيمة وكأنها رسمت بمسطرة.
والمصحف الثاني المنسوب لسيدنا عثمان -رضي الله عنه- موجود بالقاهرة وهو مكتوب على الرق بدون شكل أو نقط.
يذكر "المقريزي": أن رجلاً من أهل العراق قدم إلى مصر في الخامس من المحرم سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة هجرية في خلافة "العزيز بالله الفاطمي"، وأحضر معه مصحفًا. ذكر أنه مصحف عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وأنه كان بين يديه يوم الدار، وكان فيه أثر الدم. وذكر أنه استخرج من خزائن "المقتدر"، ودفع المصحف إلى "عبد الملك بن شعيب" المعروف بـ"ابن بنت ولد القاضي"، فأخذه "أبو بكر الخازن" وجعله في جامع عمرو وشهره، وجعل عليه خشبًا منقوشًا، وكان الإمام يقرأ فيه يومًا وفي "مصحف أسماء" يومًا، وذلك إبان "العزيز بالله" لخمس خلون من المحرم سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة.
رحلة القرآن العظيم  Totop
ويعلق "المقريزي" على ذلك" بأن قومًا ينكرون أن يكون المصحف المشار إليه مصحف عثمان -رضي الله عنه-؛ لأن نقله لم يصح ولم يثبت برواية رجل واحد.
ويورد "السمهودي" خبرًا آخر يقول: إن بالقاهرة مصحفًا عليه أثر لدم عند قوله تعالى: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ) [البقرة: 137]، كما هو بالمصحف الشريف الموجود اليوم بالمدينة.
ويذكرون أنه المصحف العثماني، وكذلك بمكة، والمصحف الإمام الذي قتل عثمان -رضي الله عنه- وهو بين يديه لم يكن إلا واحدًا، والذي يظهر أن بعضهم وضع خلوقًا على تلك الآية تشبيهًا بالمصحف الإمام، ولعل المصحف هذا من المصاحف التي بعث بها "عثمان" رضي الله عنه.
ظل هذا محفوظًا بـ"مدرسة القاضي الفاضل"، وكان بها مكتبة لا نظير لها، ثم تفرقت هذه الكتب وتخربت المدرسة، فنقل السلطان الأشرف "قنسوه الغوري" هذا المصحف إلى القبة التي أنشأها تجاه مدرسته، وبقي فيها حتى سنة خمس وسبعين ومائتين وألف هجرية، ثم نقل مع آثار نبوية أخرى إلى المسجد الزينبي، ثم إلى خزانة الأمتعة بالقلعة، وفي سنة أربع وثلاثمائة وألف هجرية نقل إلى ديوان الأوقاف، ومن هناك في العام التالي إلى قصر عابدين، ثم إلى المسجد الحسيني في نفس السنة، وما يزال محفوظًا به حتى يومنا هذا.
وأما المصحفان الثالث والرابع فهما موجودان في "استانبول" واحد بمتحف الآثار الإسلامية، والآخر في متحف الأمانات المقدسة بـ"طبقابي سراي"، وكلاهما مكتوب على الرق بمداد حبر داكن وبمقاس مختلف وأسطر مختلفة.
ونقرأ في مصحف الخليفة عثمان -رضي الله عنه- ويقال: إن دماءه عليه وهو الموجود في "طبقابي":
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا (3) وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4) وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ) [النساء: 1- 4].
إن مصحف الخليفة عثمان هذا المحفوظ بـ"طبقابي سراي" منقوط باللون الأحمر، وفي آخر الآية أحيانًا دائرة تشغلها خطوط هندسية. وقيل: إنه كتب بخط الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- إلا أن هذه العلامات تؤكد على بطلان القول إنه من المصاحف العثمانية، كما أن فيه رقش ونقط وهذا ما ليس من مزايا المصاحف العثمانية.
ما قيل عن المصاحف المنسوبة:
تذكر بعض المصادر التاريخية: أن مصحف الإمام الخاص به كان محفوظًا في جامع قرطبة، وأنه ظل محفوظا به حتى سنة اثنتين وخمسين بعد الخمسمائة عندما نقله "عبد المؤمن بن علي" خليفة الموحدين إلى "مراكش"، وظل بالمغرب حتى عهد "بني مرين".
يروي "الإدريسي" في "نزهة المشتاق": إن جامع قرطبة كان يحتفظ في مخزنه الواقع إلى يسار المحراب بمصحف كان يرفعه رجلان لثقله، وهذا المصحف كان يضم أربع أوراق من مصحف "عثمان بن عفان" الذي خطه بيمينه، وفيه نقط من دمه.
لقد نظم الشعراء قصائد كثيرة، منها ما أنشده الوزير "يحيى بن محمد بن عبد الملك بن طفيل":
جزا الله عنا للأنام خليفة به شربوا ماء الحياة فخلدوا
بمصحف عثمان الشهيد وجمعه تبين أن الحق بالحق يعضدُ
رأى أثر المسفوح في صفحاته فقام لأخذ الثأر منه مــــؤيدُ
عندما نقل "عبد المؤمن بن علي" مصحف "عثمان" إلى المغرب، احتفل الناس في الاعتناء بكسوته، وأبدلها فبعد أن كانت من الجلد القاتم كساه بصفائح الذهب المرصعة بالآلي النفيسة والأحجار الكريمة من يواقيت وزمرد.
ولم يكن "عبد المؤمن بن علي" وحده الذي وجه اهتمامه بمصحف عثمان، فقد تابعه في ذلك أبناؤه وأحفاده، فكانوا يتفننون في تزيينه بمزيد من الجواهر النادرة، وأضيفت الأحجار الكريمة لدفتيه حتى استوعبوهما، وكانوا دائمًا يحضرونه في مجالسهم في ليالي رمضان، ويباشرون بالقراءة فيه، ويصفحون ورقه بصفيحة من الذهب تشبه المسطرة.
لقد أفاضت المصادر في وصف ما زينت به كسوة هذا المصحف بعد انتقاله إلى المغرب. يذكر "عبد الواحد المراكشي" أنه في عهد الخليفة الموحدي "أبي يعقوب يوسف" أرسل ملك صقلية إتاوة مالية للموحدين وفيها ذخائر لم يكن عند ملك مثلها، منها حجر ياقوت لا يقدر بمال، كان يسمى الحافر الأحمر، على شكل حافر الفرس؛ كللوا به غلاف المصحف العثماني إلى جانب أحجار كريمة نفيسة أخرى، وصنع للمصحف كسوتان واحدة من السندس الأخضر يخرج بها للناس عامة، وأخرى عظيمة قيمة يخرج بها لخاصة الناس.
كما صنع الموحدون محملاً خشبيًّا مرصعًا ومنقوشًا ومغلفًا بصفائح ذهبية، وصنع لذلك المحمل كرسي يحمله، رصع بدوره بأجمل اليواقيت وأحلى الدرر، ثم جعلوا لكل هذا تابوتًا كبيرًا مكعب الشكل به مشكاة، وقد ركب الصناع في أحد جوانبه بابًا عليه دفتان، وتفنن الصناع في طريقة فتح بابه وغلقه بحركات هندسية فنية، فقد كان له مفتاح يترتب عليه أربع حركات، أولها: انفتاح الباب بانعطاف الدفتين، ثم خروج الكرسي من تلقاء نفسه، ثم يتحرك المحمل في ذات الوقت من مؤخر الكرسي إلى مقدمه، فإذا تم خروج الكرسي والمحمل انغلق الباب من تلقاء نفسه.
رحلة القرآن العظيم  Totop
قتل سيدنا عثمان -رضي الله عنه- وهو يقرأ القرآن، وصبغت دماؤه صفحات ومداد القرآن العظيم، وانتشر الإسلام في أرجاء الأرض ووصلت المصاحف التي أمر بها إلى الأمصار، وسارع المسلمون إلى نسخ المصاحف منها، حرفًا بحرف، وكلمة بكلمة، واشتُهر أئمة بالقراءة والكتابة، ولاقى القرآن عناية ما عرفت البشرية كلها بكتاب مثيلاً.
وتمر الأيام، ويدخل في الدين الجديد آلاف وآلاف من غير العرب أبناء البلاد المفتوحة، أولئك الذين لا يحسنون التكلم بالعربية، وهم يتشوقون لقراءة القرآن الكريم، وفهم معانيه، واتباع تعاليمه. فكان أن تسرب اللحن وفشا الغلط، وكان لابد من وضع ضوابط لشكل القرآن العظيم ولنطقه، حتى لا يخطئ فيه من كان أعجمي اللسان.
حكاية النقط .. الإعراب .. التشكيل
وكانت حكاية بداية نشوء النقط الذي نعني به اليوم "التشكيل" للحرف العربي: وهو إعراب اللفظ؛ كي لا يتسرب اللحن أي الغلط إلى اللسان، ويتغير المعنى ويفهم منه غير المقصود، فيختلط الأمر.
لقد سمع "ظالم بن عمرو بن سفيان" الشهير بـ"أبي الأسود الدؤلي" حوالى سنة ثمان وثلاثين للهجرة قارئا يقرأ قوله تعالى: (إن الله بريء من المشركين ورسولِه) بجر لام (رسولُه) بدل الرفع، وهذا كفر من غير شك، فقال "أبو الأسود": معاذ الله أن يتبرأ من رسوله. وأفزعه ذلك، وشعر بخطورة الأمر، فلجأ لسيدنا علي وشرح له ما يجول في فكره، فباركه وقال له: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت.
وكان بدء علم النحو، وبدء الإعراب، وبدء النقط، وبدء التشكيل.
الصورة الأولى للتشكيل: النقط
لم تكن صورة التشكيل فوق الحروف كصورة التشكيل التي عليها حروف العربية اليوم، وإنما كانت كما وضعها "أبو الأسود الدؤلي" المتوفى سنة تسع وستين للهجرة، حين اختار رجلاً من "عبد القيس" وقال له: خذ المصحف وصابغا يخالف لونه مداد المصحف، فإذا فتحت شفتي فأنقط نقطة فوق الحرف، وإذا ضممتهما فأنقط أمامه نقطة، وإذا كسرتهما فأنقط تحته نقطة، فإذا اتبعته غنة أو تنوينا فأنقط نقطتين. حتى أتى على آخر المصحف.
فالتشكيل الأول كما نرى هو عبارة عن رسم دائرة نقطة بمداد حبر أحمر حتى لا تختلط بجسم الحرف، فوق الحرف لتدل على الفتحة، وتحت الحرف للخفض أي الكسرة، وفي وسط الحرف أو بين يديه للضمة، واستخدم النقطتين لتدل على التنوين.
(إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف: 206].
وفي سورة البقرة نشاهد النقط الذي هو الشكل، وهو نقط "أبو الأسود الدؤلي"، قال تعالى:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: 1- 5].
وهكذا حلت مشكلة الإعراب، وصار القارئ في كتاب الله في المصحف الشريف في مأمن من الوقوع في لحن أو خطأ يشوه المعنى القرآني.
وظل هذا الأسلوب من الشكل متبعًا حتى أواخر القرن الهجري الأول، بل وحتى نهاية العصر الأموي سنة اثنتين وثلاثين ومائة للهجرة.
لم تبق الحركات من فتحة وخفضة وضمة وتنوين متفردة في القرآن الكريم بمداد أحمر لضبط كلماته، وإنما أضيفت إليها رموز جديدة لتعبر عن المهموز والتشديد والمدود، واستخدم لها اللون الأخضر والأصفر والبرتقالي واللازوارد؛ كي يدل كل لون على رمز صوتي.
فبينما مثلت النقطة الصفراء "الهمزة" عند أهل المدينة أصحاب الإمام "مالك بن أنس" المتوفى سنة تسع وسبعين بعد المائة من الهجرة وتبعهم في ذلك أهل المغرب والأندلس، كانت النقطة الخضراء والحمراء هي التي تمثل "الهمزة" عند أهل العراق والشام.
كما استخدموا النقطة الصفراء لتدل على "الشدة"، واستعمل أهل المدينة والمغرب والأندلس النقطة الخضراء لهمزة الوصل أو الحرف الذي لا يلفظ.
كما قامت طوائف من أهل الكوفة والبصرة فأدخلوا الحروف الشواذ في المصاحف، ونقطوها باللون الأخضر، وربما جعلوا الخضرة للقراءة المشهورة، وجعلوا الحمرة للقراءة الشاذة المتروكة، وذلك تخليط وتغيير كما يقول "الداني".
لقد بقي المصحف الشريف خلال هذه الفترة مكتوبًا بمداد حبر أسود أو داكن، ولم تمس حروفه ولم يتسرب إليها أي لون، وإنما كانت الإشارات النقاط فوق الحروف، هي التي استخدم المسلمون فيها الألوان.
يقول "الداني": "وأكره من ذلك وأقبح منه ما استعمله أناس من القراء وجهلة من النقاط، من جمع قراءات شتى وحروف مختلفة في مصحف واحد، وجعلهم لكل قراءة لونًا من الألوان المخالفة للسواد، كالحمرة والخضرة والصفرة واللازورد، وتنبيههم على ذلك أول المصحف ودلالتهم عليه هناك؛ لكي تعرف القراءات وتميز الحروف، إن ذلك من أعظم التخليط وأشد التغيير للمرسوم".
لقد لعبت الألوان بصورة نقاط للشكل فوق الحروف دورًا كبيرًا في العناية برسم المصحف على مدى أربعة قرون؛ كانت الغاية من ذلك ضبط القراءة حتى لا يخطئ قارئ القرآن في حرف صوتي.
ولقد كان التحفظ الصادق الأصيل في المحافظة على متن القرآن الكريم الذي كان عليه أيام "عثمان بن عفان" -رضي الله عنه-، فلم يمس أحد جسم الحرف المكتوب بمداد أسود على الرق؛ وما ذلك إلا لقطع السبيل على تحريفه بأية إضافة من الإضافات.
ومع ذلك فإن الجهود تتواصل حثيثة لاتخاذ التدابير التي تمنع التصحيف أو التحريف أو اللحن فيه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
صقعان
محُــب جديــد
صقعان


الدولة : رحلة القرآن العظيم  1311_md_13105401401
الهواية : رحلة القرآن العظيم  Reading
الجنس : ذكر
المزاج : رحلة القرآن العظيم  Mostmte3
عدد المساهمات : 80
معــدل التقييـــم : 1
تاريخ التسجيل : 12/07/2010
MY MMS : رحلة القرآن العظيم  Mms1

رحلة القرآن العظيم  Empty
مُساهمةموضوع: رد: رحلة القرآن العظيم    رحلة القرآن العظيم  Emptyالثلاثاء يوليو 13, 2010 4:39 pm

فتح الله عليك أخى الفاضل ثائر وكتبك ممن سبقت لهم من الله الحسنى نقل طيب مبارك آجرك الله عليه فمزيدا مزيدا من التألق والتميز والأبداع الى مافيه مرضاة الله بارك الله فيك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفاخري
 
 
الفاخري


الدولة : رحلة القرآن العظيم  1311_md_13105401401
الهواية : رحلة القرآن العظيم  Reading
الجنس : ذكر
المزاج : رحلة القرآن العظيم  Mkayeef
عدد المساهمات : 3078
معــدل التقييـــم : 57
تاريخ التسجيل : 20/02/2010
MY MMS : رحلة القرآن العظيم  Mms2
وسام الأداري المميز

رحلة القرآن العظيم  Empty
مُساهمةموضوع: رد: رحلة القرآن العظيم    رحلة القرآن العظيم  Emptyالثلاثاء يوليو 13, 2010 6:12 pm

جزاك الله خيرا على هدا الموضوع الرائع وبارك فيك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
رحلة القرآن العظيم
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» رحلة نغم
» رحلة العمـر
» القرآن شفاء
» رحلة الى عقول الرجال
» في بريطانيا: أول رحلة جوية وقودها زيت الطهي المستعمل

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
محبــي ليــبــيا :: `~`~ المنتديـــات الأسلاميـــة ~`~` :: القرآن الكريم |The holy qoran-
انتقل الى:  
المواضيع الأخيرة
» مكتبة الطبخ 48 كتاب
رحلة القرآن العظيم  Emptyالجمعة يونيو 29, 2018 1:51 pm من طرف ibrahematia

» مصطلحات المطبخ من بهارات وخلافه
رحلة القرآن العظيم  Emptyالجمعة يونيو 29, 2018 1:50 pm من طرف ibrahematia

» فتافيت 318 وصفة بالصور الكل يبحث عنها
رحلة القرآن العظيم  Emptyالجمعة يونيو 29, 2018 1:46 pm من طرف ibrahematia

» المدرب / جمعة محمد سلامة يختتم دوراته لموظفي وحدة الأمن بديوان المحاسبة الليبي
رحلة القرآن العظيم  Emptyالسبت يونيو 09, 2018 7:18 pm من طرف م / جمعة محمد سلامة

» إختتام دولي لدورات المدرب / جمعة محمد سلامة التدريبية التخصصية لسنة 2017
رحلة القرآن العظيم  Emptyالأربعاء يناير 31, 2018 8:30 am من طرف م / جمعة محمد سلامة

» اشخاص يفتقدهم المنتدى
رحلة القرآن العظيم  Emptyالثلاثاء يناير 30, 2018 11:12 am من طرف زهرة الجوري

» الف مبروك يا اخى الفضل
رحلة القرآن العظيم  Emptyالثلاثاء يناير 30, 2018 11:04 am من طرف زهرة الجوري

» حفلة المربوعـــــه
رحلة القرآن العظيم  Emptyالثلاثاء يناير 30, 2018 10:55 am من طرف زهرة الجوري

» اهلا بجميع احبابى واعزائى اشتقت لكم كثيرا
رحلة القرآن العظيم  Emptyالثلاثاء يناير 30, 2018 10:18 am من طرف زهرة الجوري

» السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رحلة القرآن العظيم  Emptyالإثنين يناير 29, 2018 9:27 am من طرف زهرة الجوري

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
الفاخري
رحلة القرآن العظيم  I_vote_rcapرحلة القرآن العظيم  I_voting_barرحلة القرآن العظيم  I_vote_lcap 
رقيقة المشاعر
رحلة القرآن العظيم  I_vote_rcapرحلة القرآن العظيم  I_voting_barرحلة القرآن العظيم  I_vote_lcap 
سيلينة ليبيا
رحلة القرآن العظيم  I_vote_rcapرحلة القرآن العظيم  I_voting_barرحلة القرآن العظيم  I_vote_lcap 
زهرة الجوري
رحلة القرآن العظيم  I_vote_rcapرحلة القرآن العظيم  I_voting_barرحلة القرآن العظيم  I_vote_lcap 
freeman
رحلة القرآن العظيم  I_vote_rcapرحلة القرآن العظيم  I_voting_barرحلة القرآن العظيم  I_vote_lcap 
الماسة
رحلة القرآن العظيم  I_vote_rcapرحلة القرآن العظيم  I_voting_barرحلة القرآن العظيم  I_vote_lcap 
أمل
رحلة القرآن العظيم  I_vote_rcapرحلة القرآن العظيم  I_voting_barرحلة القرآن العظيم  I_vote_lcap 
DODE
رحلة القرآن العظيم  I_vote_rcapرحلة القرآن العظيم  I_voting_barرحلة القرآن العظيم  I_vote_lcap 
r69
رحلة القرآن العظيم  I_vote_rcapرحلة القرآن العظيم  I_voting_barرحلة القرآن العظيم  I_vote_lcap 
الفضل
رحلة القرآن العظيم  I_vote_rcapرحلة القرآن العظيم  I_voting_barرحلة القرآن العظيم  I_vote_lcap 
متطلبات المنتدى
التسجيل السريع
إغلاق
التسجيل السريع

الاجزاء المشار اليها بـ * مطلوبة الا اذا ذكر غير ذلك
اسم مشترك : *
عنوان البريد الالكتروني : *
كلمة السر : *
تأكيد كلمة السر : *

.
جميع ما ينشر في المنتدى يعبر عن رأي كاتبه فقط .. ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة محبي ليبيا
..[ جميع الحقوق محفوظـة لمحبي ليبيا ]..
copyright ® libyalovers.yoo7.com ® all right reservd 2010

  Powered by phpBB © V.2